فخر الدين الرازي

19

تفسير الرازي

وأجاب عنه مثبتو القياس : بأن كون القياس حجة ثبت بإجماع الصحابة والإجماع دليل قاطع وما ذكرتموه تمسك بظاهر العموم ، وهو دليل مظنون والقاطع أولى من المظنون . وأجاب : الأولون بأنكم أثبتم أن الإجماع حجة بعموم قوله : * ( ويتبع غير سبيل المؤمنين ) * ( النساء : 115 ) وعموم قوله : * ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ) * ( البقرة : 143 ) وعموم قوله : * ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) * ( آل عمران : 110 ) وبعموم قوله عليه الصلاة والسلام : " لا تجتمع أمتي على الضلالة " وعلى هذا فإثبات كون الإجماع حجة ، فرع عن التمسك بالعمومات ، والفرع لا يكون أقوى من الأصل . فأجاب مثبتو القياس : بأن الآيات والأحاديث والإجماع لما تعاضدت في أثبات القياس قويت القوة وحصل الترجيح . والله أعلم . المسألة الثالثة : الحشوية الذين ينكرون النظر العقلي والبراهين العقلية ، تمسكوا بهذه الآية وهو بعيد لأن العلم بكون القرآن حجة موقوف على صحة التمسك بالدلائل العقلية ، فلو جعلنا القرآن طاعناً في صحة الدلائل العقلية لزم التناقض وهو باطل . المسألة الرابعة : قرأ ابن عامر * ( قليلاً ما يتذكرون ) * ( النمل : 62 ) بالياء تارة والتاء أخرى . وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالتاء وتخفيف الذال ، والباقون بالتاء وتشديد الذال . قال الواحدي رحمه الله : تذكرون أصله تتذكرون فأدغم تاء تفعل في الذال لأن التاء مهموسة ، والذال مجهورة والمجهور أزيد صوتاً من المهموس ، فحسن إدغام الأنقص في الأزيد ، وما موصولة بالفعل وهي معه بمنزلة المصدر . فالمعنى : قليلاً تذكركم ، وأما قراءة ابن عامر * ( يتذكرون ) * بياء وتاء فوجهها أن هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي قليلاً ما يتذكر هؤلاء الذين ذكروا بهذا الخطاب ، وأما قراءة حمزة والكسائي وحفص ، خفيفة الذال شديدة الكاف ، فقد حذفوا التاء التي أدغمها الأولون ، وذلك حسن لاجتماع ثلاثة أحرف متقاربة والله أعلم . قال صاحب " الكشاف " : وقرأ مالك بن دينار ولا تبتغوا من الابتغاء من قوله تعالى : * ( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً ) * ( آل عمران : 85 ) . * ( وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ * فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَآ إِلاَ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ) * .